الأحد، 10 يوليو 2016

دراسة علم مقارنة الأديان

بسم الله الرحمان الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على إمام الأنبياء وسيد المرسلين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد،

فإن دراسة علم مقارنة الأديان لها أهمية بالغة، كيف لا ونحن نعيش في عصر تتلاطم فيه أمواج الفكرالبشري بمختلف أنواعه، وتتشابك فيه خيوط العقائد المختلفة والملل والنحل المنحرفة، والناس إزاء هذا الاختلاف والتنوع على قسمين: قسم أول مندهش مما يسمع ويرى من تضارب واختلاف في الدين، ويعتبر أن هذا الأمر شاذ ويجب إنكاره، وعدم السكوت عنه، ويذهب إلى القول بضرورة العودة إلى الأصل والتمسك بالإسلام، وإن كان في هذا القول شيء من الصحة ، إلا أن أصحاب هذا الرأي يحملون هذا الكلام على غير محمله، ويضعونه في غير موضعه، ولعل نتائج هذا الفكر خيمت بأضرارها على  بعض   بلاد المسلمين، بل وامتد شررها إلى بلاد غير مسلمة، واكتوى أهلها بنارها.
وقسم ثان متفهم لهذا الاختلاف والتنوع الديني، ويرى أن هذه سنة الله في الخلق، ولا مفر منها، ولا بد من التأقلم معها، ومحاولة تضييق الهوة بين المختلفين، وتقريب المسافة بين المتباعدين، لأن الخطاب الإلهي واضح في الدعوة إلى الحوار مع المخالف بالتي هي أحسن،  وعدم إخضاعه بالقوة لقبول الدين، لقوله تعالى (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) وقوله تعالى:(ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا  أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين).
كما أن الفريق الثاني ينقسم إلى قسمين: قسم  أول وإن كان أصحابه يقبلون في قرارة أنفسهم بهذا التنوع والاختلاف الديني إلا أنهم اختاروا الطريق السهل، وهو الهروب من ساحة المواجهة، ودفن الرأس في الرمال على الطريقة النعامية، لأنهم لا يمتلكون أسلحة هذه المواجهة الساخنة، ومعارفهم الدينية المحدودة لا تؤهلهم للدخول في الجدل والمناظرة مع الطرف المخالف، وأما القسم الآخر الذي ينتمي إلى دائرة هذا الفريق - الذي هو المقصود من هذه المقاربة- فيرى أصحابه أن مسؤوليتهم العقدية تفرض عليهم الإعداد والاستعداد للدخول في هذه المواجهة الفكرية، والتسلح بأدوات فعالة من أجل احتواء الأزمة الواقعة في عالم اليوم، نعم أزمة عقدية بالدرجة الأولى امتزجت لاحقا بالثوب السياسي، مما جعلها تتفاقم شيئا فشيئا لتصير مثل كرة الثلج التي تدهس كل من يقف في طريقها، ولا يقدر على إذابتها إلا من يمتلك أدوات وآليات متطورة، وأقصد هنا بكرة الثلج هي تلك الخلافات العقدية بين أبناء الملل والأديان المختلفة، فعندما تاه أصحابها في ظلمات التعصب والمصالح السياسية والشخصية، تركوا الفرصة لمن حملها من ثوبها العقدي  ونقلها إلى مجال السياسة والمصالح الضيقة، للتطور وتصبح في شكل صراعات مسلحة وعنيفة خلفت خسائر بشرية ومادية.
ولذلك فالقسم الثاني من الفريق الثاني  وهم الباحثون والدارسون لعلم مقارنة الأديان - بما يملكونه من رصيد معرفي عن الآخر المخالف، وبعقائده وأفكاره وثقافته بشكل عام-  معنيون أكثر بحمل هذه الأمانة، وخوض هذه المواجهة، لكنها مواجهة بغير أسلحة عسكرية، بل بأسلحة العلم والمعرفة، والفكر المستنير الذي يعمل على تذويب الخلاف ما أمكن، والتركيز على النقاط المشتركة بين أتباع الأديان، والتعاون على الاصلاح ونشر قيم العدل والسلم والإخاء بين بني البشر مهما تنوعت تصوراتهم، واختلفت آراؤهم، لأن سنة الله سبحانة تقضي بوجود هذا الاختلاف والتنوع في الأفكار والآراء.
إن المجال هنا لا يسع لذكر أصالة هذا العلم في التراث الإسلامي، وبيان السبق الذي أحرزه علماء الإسلام في إرساء مناهجه والتأليف فيه، لأن هذا الأمر معلوم لدى الباحثين والدارسين لهذا العلم، وإنما الهدف من هذه الورقة هو توضيح المهام المنوطة بالسادة الأساتذة والعلماء والطلبة الباحثين المتمكنين من المعارف الضرورية في مجال علم مقارنة الأديان، والقيام بتوعية الناس، وإرشادهم، وتنبيههم على ما يحيط بهم من تحديات ومخاطر في عالم يموج بالصراعات الفكرية والمذهبية، ولا بد لمن أكرمه الله تعالى بإحراز قدر من العلم والمعرفة في هذا المجال، أن يساهم في تغيير الصورة النمطية في المجتمع حول الأديان الأخرى في علاقتها بالإسلام، وأن ينقل ما تعلمه إلى غيره، ويتقاسم خبراته وأفكاره وتجاربه مع باقي إخوانه او اخواته في الدين والإيمان، حتى يساهم في تكوين جيل واع ومتعلم، وقادر على خوض المواجهة الفكرية بسلاح العلم لا بسلاح القتل والتدمير.
واجدني  وأنا اكتب هذه الكلمات التي جالت بخاطري مجبرا على نقل خبرتي وأفكاري إلى غيري قصد الاستفادة منها، فمنذ أن بدأت بالاهتمام بمجال الأديان، والاطلاع على بعض المكتوبات لعلماء المسلمين في هذا التخصص، يضاف إليها ما تعلمته من أساتذتي في مرحلة الدراسات العليا بالجامعة  من معارف وأدوات ومناهج تخدم هذا التخصص أيضا، فكل هذا الزخم المتراكم لا ينبغي الاحتفاظ به، وجعله حبيس الذهن، أو حبيس رفوف الخزانات، وبحوث المختبرات، بل لا بد من إخراجه إلى حيز الوجود، وكما هو معلوم في الفلسفة الشيء موجود بالقوة وموجود بالفعل، فالصورة الأولى من وجوده تبقى نظرية مجردة، ولا يكون له وجود حقيقي إلا بالفعل.
فآن الآوان لنا معشر الباحثين والباحثاث والدارسين والدارسات والمتخرجين والمتخرجات من قسم مقارنة الأديان، أن ننقل المعارف والتجارب التي راكمناها في هذا التخصص إلى الناس من حولنا، لأننا مسؤولون أمام الله تعالى عن العلم الذي آتانا، والنبي الأكرم صلى الله عليه وسلم يقول: "من كتم علما ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة".

كتبه العبد الفقير إلى رحمة ربه: البشير أسعير

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق